ابن عطية الأندلسي

446

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قوله مِنَ الْآياتِ وعلى قول الكوفيين يكون قوله نَتْلُوهُ صلة لذلك ، على حد قولهم في بيت ابن مفرغ الحميري : وهذا تحملين طليق ويكون الخبر في قوله : مِنَ الْآياتِ ، وقول البصريين في البيت أن تحملين حال التقدير ، وهذا محمولا ، و نَتْلُوهُ معناه نسرده ، و مِنَ الْآياتِ ظاهره آيات القرآن ، ويحتمل أن يريد بقوله مِنَ الْآياتِ من المعجزات والمستغربات أن تأتيهم بهذه الغيوب من قبلنا ، وبسبب تلاوتنا وأنت أمي لا تقرأ ، ولست ممن أصحب أهل الكتاب ، فالمعنى أنها آيات لنبوتك ، وهذا الاحتمال إنما يتمكن مع كون نَتْلُوهُ حالا ، و الذِّكْرِ ما ينزل من عند اللّه ، و الْحَكِيمِ يجوز أن يتأول بمعنى المحكم ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، ويصح أن يتأول بمعنى مصرح بالحكمة ، فيكون بناء اسم الفاعل ، قال ابن عباس ، الذِّكْرِ القرآن ، و الْحَكِيمِ الذي قد كمل في حكمته . وذكر ابن عباس وقتادة وعكرمة والسدي وغيرهم ، قالوا سبب نزول قوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عِيسى الآية أن وفد نصارى نجران جادلوا النبي صلى اللّه عليه وسلم في أمر عيسى ، وقالوا بلغنا أنك تشتم صاحبنا وتقول هو عبد ، فقال النبي عليه السلام ، وما يضر ذلك عيسى ، أجل هو عبد اللّه ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، فقالوا فهل رأيت بشرا قط جاء من غير فحل أو سمعت به ؟ وخرجوا من عند النبي فأنزل اللّه عليه هذه الآية . وقوله تعالى : إِنَّ مَثَلَ عبر عنه بعض الناس ، بأن صفة عيسى وقرنوا ذلك بقوله تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ [ الرعد : 35 ] قالوا : معناه صفة الجنة . قال الإمام أبو محمد : وهذا عندي ضعف في فهم معنى الكلام وإنما المعنى : « أن المثل » الذي تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم إذ الناس كلهم مجمعون على أن اللّه تعالى خلقه من تراب من غير فحل ، وكذلك مثل الجنة عبارة عن المتصور منها ، وفي هذه الآية صحة القياس ، أي إذا تصوروا أمر آدم قيس عليه جواز أمر عيسى عليه السلام والكاف في قوله : كَمَثَلِ اسم على ما ذكرناه من المعنى وقوله عِنْدَ اللَّهِ عبارة عن الحق في نفسه ، أي هكذا هو الأمر فيما غاب عنكم ، وقوله : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ تفسير لمثل آدم ، الذي ينبغي أن يتصور ، والمثل والمثال بمعنى واحد ، ولا يجوز أن يكون خَلَقَهُ صلة لآدم ولا حالا منه ، قال الزجاج : إذ الماضي لا يكون حالا أنت فيها بل هو كلام مقطوع منه ، مضمنه تفسير المثل ، وقوله عزّ وجل : ثُمَّ قالَ ترتيب للأخبار لمحمد عليه السلام ، المعنى خلقه من تراب ثم كان من أمره في الأزل أن قاله له كُنْ وقت كذا ، وعلى مذهب أبي علي الفارسي ، في أن القول مجازي ، مثل وقال قطني ، وأن هذه الآية عبارة عن التكوين ، ف ثُمَّ على بابها في ترتيب الأمرين المذكورين ، وقراءة الجمهور « فيكون » ، بالرفع على معنى فهو يكون ، وقرأ ابن عامر « فيكون » بالنصب ، وهي قراءة ضعيفة الوجه ، وقد تقدم توجيهها آنفا في مخاطبة مريم . وقوله تعالى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ، رفع على الابتداء وخبره فيما يتعلق به ، قوله مِنْ رَبِّكَ ، أو الحق ذلك ، أو ما قلناه لك ، ويجوز أن يكون خبر ابتداء ، تقديره هذا الحق و الْمُمْتَرِينَ هم الشاكون ، والمرية